عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة الشارح و

خريدة القصر وجريدة العصر

ولا يدهبن وهم أحد انّي أرى مؤلّف هذا الكتاب الكبير يدعا بين مؤلّفي العرب . فقد سبق أن ذكرت في دراستي له في صدر الجزء الأوّل أنّه سبقه إلى التأليف على هذا النحو الثّعالبيّ في « يتيمة الدّهر » ، والباخرزيّ في « دمية القصر » ، والحظيريّ الكتبيّ في « زينة الدّهر » . . غير أنّ بينه وبين هؤلاء وغيرهم فرقا جسيما وبونا بعيدا . فقد تفرّغ هؤلاء للتّأليف تفرّغا تامّا ، وانقطعوا اليه ، وأعطوه أوقاتهم كلها ، لا يشغلهم عنه شاغل ، ولا يصرفهم صارف . . وتفرّغ هو للدّولة ، وأعطاها جهده كلّه ووقته كلّه ، ثمّ جار على نفسه فأخذ من وقت استجمامه من العناء ومنحه للتّأليف . فشتّان ما بين حالهم وحاله . ومع هذا كان ما صدر عنه أكثر ممّا صدر عنهم ، وكان كتابه أوسع من كتبهم ، بله ما ألّف في تاريخ الحروب الصّلبيّة ، وتاريخ الدّولة الصّلاحيّة الأيّوبيّة ، وتاريخ الدّولة السّلجوقيّة ، وغير ذلك من دواوين الرّسائل والأشعار . . وهذا هو مصدر الاعجاب به ، والاكبار له . ( 2 ) ولقد كان نصيب ( العراق ) ، سرّة المملكة وسدّة الخلافة في عصر المؤلّف ، من مجلّدات هذا الكتاب العشر ، ضخما يؤلّف نحو ثلثه ، والثّلث كثير . وقد حدّثنا المؤلّف أنّه فكّر في تأليف كتابه ، وهو في دار كتب تاج الملك بجامع أصبهان يقرأ « دمية القصر » للباخرزيّ ، وأنّه بدأ عمله فيه ببغداد ، وابتدأ أوّله من ( العراق ) ، وقدّم ( بغداد ) على مدنه ، اعجابا منه بهذا الإقليم العربيّ الاسلاميّ ، ووفاء له ولحاضرته العظمى الّتي أشبلت عليه ، وتفيّأ ظلالها ناشئا وكهلا ، ونهل وعلّ من موارد علمائها متأدّبا ومتفقّها في ( المدرسة النّظاميّة ) الّتي ذاعت شهرتها في الآفاق ، وحظي لدى الدّولة فيها حتّى ولي النّيابة عن الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في أعماله ب ( واسط ) . . فهو لهذا كلّه ، ولاعجابه « بأهله الرّاسخين علوما ، الباذخين حلوما ، خصّه بالتّقديم ، وآثره بالتّكريم . وما أبدع ما أنشأ ووشّى من العبارات الجملة الأنيقة الّتي شحنها يحبّه وتقديره له ، فقال :